أهوار العراق بين الإرث الإنساني والتحديات الوجودية
الكاتب
Al-Mesalla Org
المشاهدات
35.1K views
نشر في
Feb 01, 2026
Sunday
موقع
1 منطقة
ذي قار
almesalla org
التفاصيل
استكشاف القصة الكاملة وتأثيرها
يمثّل اليوم الدولي للأراضي الرطبة مناسبة عالمية لإعادة تسليط الضوء على أحد أكثر النظم البيئية أهميةً وحساسيةً، لما تؤديه الأراضي الرطبة من دور محوري في الحفاظ على التوازن البيئي، ودعم التنوع الأحيائي، والتخفيف من آثار التغير المناخي. فهي ليست مساحات مائية عابرة، بل منظومات طبيعية معقّدة تشكّل ركيزة أساسية لاستدامة الحياة البشرية والطبيعية على حد سواء.
وفي العراق، تتجسّد القيمة البيئية والرمزية للأراضي الرطبة في أهوار الجنوب، التي تُعد من أقدم النظم البيئية الرطبة في العالم، وواحدة من البيئات التي شهدت نشوء أولى التجمعات البشرية المستقرة في التاريخ. فالأهوار العراقية ليست مجرد نظام طبيعي، بل فضاء حضاري ارتبط بتشكّل الهوية الأولى لبلاد الرافدين، وأسهم في بناء أنماط اجتماعية واقتصادية استمرّت لآلاف السنين.
تمتد أهوار العراق عبر محافظات ميسان وذي قار والبصرة، وتشمل منظومة بيئية غنية ومتنوّعة، إذ توفّر موائل طبيعية لمئات الأنواع من الطيور، ولا سيما الطيور المهاجرة، إضافة إلى أنواع نادرة من الأسماك والنباتات المائية. كما تؤدي دوراً بيئياً بالغ الأهمية في تنظيم الدورة الهيدرولوجية، وتحسين جودة المياه، والحد من التصحّر في المناطق المحيطة بها.
ورغم إدراج أهوار العراق على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2016، فإنها لا تزال تواجه تهديدات متراكمة تمسّ وجودها الفعلي. ويأتي في مقدّمة هذه التهديدات التراجع الحاد في كميات المياه الواصلة إليها، نتيجة التغير المناخي، وتذبذب معدلات الأمطار، فضلاً عن السياسات المائية الإقليمية التي أسهمت في تقليص تدفّقات الأنهار العابرة للحدود.
إلى جانب ذلك، تعاني الأهوار من مستويات متزايدة من التلوث، وضعف منظومات الإدارة البيئية، وغياب خطط وطنية طويلة الأمد لإدارة الموارد المائية. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على استقرار المجتمعات المحلية التي تعتمد على الأهوار كمصدر رئيسي للرزق، ما أدى إلى تقلّص الأنشطة التقليدية، وازدياد معدلات الهجرة البيئية من المنطقة.
إن استحضار اليوم الدولي للأراضي الرطبة في السياق العراقي لا ينبغي أن يكون حدثاً رمزياً، بل مناسبة لتقييم السياسات القائمة، وإعادة النظر في آليات حماية هذا النظام البيئي الفريد. فالحفاظ على الأهوار لا يعني حماية التنوع الأحيائي فحسب، بل يرتبط بشكل وثيق بالأمن البيئي والمائي، وبحق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ومستقرة.
وفي ظل التحديات المتسارعة، تبرز الحاجة الملحّة إلى تبنّي مقاربات أكثر تكاملاً، تقوم على الإدارة المستدامة للمياه، وتعزيز التعاون الإقليمي، ودعم الجهود المحلية والدولية الرامية إلى إعادة تأهيل الأهوار وضمان استدامتها. كما يبقى رفع الوعي العام بأهمية الأراضي الرطبة عنصراً أساسياً في أي استراتيجية ناجحة لحمايتها.
في اليوم الدولي للأراضي الرطبة، تقف أهوار العراق بوصفها اختباراً حقيقياً لالتزام الدولة والمجتمع بحماية إرث إنساني لا يُعوَّض، وبيئة طبيعية لم يعد فقدانها خياراً ممكناً.


